الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "الهربة" لغازي الزغباني: هنا تلتقي الأضداد، هنا المستحيل يصبح ممكنا...

نشر في  10 فيفري 2021  (20:38)

بعد أكثر من 80 عرضا لمسرحية "الهربة"، اختار المخرج غازي الزغباني أن يستبدل تمشيه المسرحي بتمشي سينمائي في مهمة شبه مستحيلة بحكم أحادية الفضاء الذي تدور فيه أحداث المسرحية-الفيلم، ألا وهو غرفة الماخور التي يجتمع فيها من باب الصدفة، وبعد ملاحقة بوليسية، شاب متشدد ديني بفتاة ليل. يطلب الشاب (غازي الزغباني) من صاحبة المكان (نادية بوستة) الحماية لبعض الوقت لتنطلق أطوار قصة خاصة من نوعها تلتقي فيها الأضداد وعوالمها بشكل غير منتظر.

يرفع غازي الزغباني في "الهربة" رهان جمع عالمين متباعدين. أوّلهما عالم التشدد الديني وثانيهما عالم الدعارة. جمعهما المخرج تحت سقف واحد بأسلوب فيه من الطرافة ومن صواب التطرق ما يسمح بتداخل هاذين العالمين بسلاسة. دون تعسف او مبالغة على هذا او ذاك، يرسم الفيلم هذا اللقاء الاستثنائي بين بائعة هوى وشاب متشدد. لقاء بين اللامبالاة والخوف، بين الدلع والاستيحاء، بين التحرر الجسدي والتعفف. كلها صاغها المخرج بخفة مستحبة سمحت بانسيابية السرد السينمائي بعيدا عن أي تعثر.

 ورغم هذه التقاطعات، يُبقي المخرج على واقعية الأشياء أي على الفصل القائم بين هاذين العالمين من خلال الصورة التي يُقسّمها بفضل السرير الى أسفل وأعلى لا بمعنى التفاضل لكن بمعنى القطيعة التي تلازم هذه الحيوات المتنافرة. فارتكزت عدة لقطات على فكرة الفصل بين فتاة الليل المستلقية فوق السرير، وبين الشاب الذي ظلّ مرابطا تحته.

ومن بين طيّات هذه المادة المستعصية، توّفق المخرج في توليد طينة جديدة ربطت أواصر "علاقة ما" بين فتاة الليل والمتشدد الديني. اذ تنشأ بينهما علاقة حميمية سمحت بكسر مختلف أشكال الانغلاقات التي تضمنها الاطار العام للفيلم -انغلاق الفضاء والافق والانتماء والتفكير- وبما يضمن تحررا من الظرفية الأولى لكلا الشخصيتين. وفي هذا السياق، لعبت الطرافة سواء كانت لغوية او جسدية دورا هاما في تقريب وجهات النظر، كما حملنا النص الى وضعيات كوميدية خفّضت من حدّة المواجهة بينهما حتى ظلاّ ينظران الى بعضهما البعض لا من ناحية النقائض بل من خلال تلك الحكايات والمواقف التي تسمح بالتواصل والتوّدد.  

في الفيلم أيضا تحدّ آخر على غاية من الأهمية هو تحدي "الفضاء المغلق" (le Huis clos) أو الغرفة الواحدة التي صوّر فيها المخرج كلّ الفيلم، وهو خيار ليس بالبسيط سينمائيا اذ يدفع لاستكشاف إمكانات الكاميرا بطرق مغايرة ومتعددة، فمرّة تّم تركيز الكاميرا في احدى زاويا الغرفة ومرّة أخرى تم تعليقها بالسقف، ومرّة أخرى على الجانب، فضلا عن اللقطات الكبيرة على الوجه وغيرها.

طوّع اذا الزغباني الكاميرا لتقديم زوايا تصوير مختلفة، مضيفا على ما سبق لقطات مشهدية (des plans séquences) دامت احداها 14 دقيقة. 14 دقيقة من غير مونتاج، والكاميرا تصوّر بصفة مسترسلة دون انقطاع. لقطة فيها الكثير من الواقعية عكست تماهي الممثلان مع بعضهما البعض وعدم حاجتهما للتدارك او لإعادة اللقطات، وقد يكون مرّد ذلك ما سمح به الأداء المحكم الذي أفرزته العروض المتعددة للهربة في شكلها المسرحي. وهذا التحدي التقني -أي اللقطة المشهدية المسترسلة- ليس بالهيّن بالمرّة اذا ما كان الحيّز الحركي ضيّقا، غير انّ المخرج نجح في توظيفه قاطعا مع ما يمكن ان تخلّفه رتابة التصوير في الفضاء الواحد.

ولعل ما تهديه السينما مقارنة بالمسرح هو مبدأ تعدد زوايا النظر. ففي المسرح، يلازم المتفرج الجلوس في كرسي واحد طيلة العرض بما يسمح له بمتابعة العمل من زاوية واحدة، بينما تفسح السينما المجال -بفضل تعدد أماكن تركيز الكاميرا- لمواكبة العمل من زوايا مختلفة، بالاضافة الى تعميق "الإدراك البصري" من خلال اللقطات العصفورية او تلك اللقطات الكبيرة التي باقترابها من وجه الممثلين مثلا تعكس مخاوفهما او رغبتهما او تساؤلاتهما وغيرها من الأحاسيس التي يمكن ان نستشفها من خلال الوجه. 

وفي فيلم "الهربة" كذلك فكرة القطيعة مع العالم الخارجي، هذا الذي يصل للداخل فقط من خلال الأصوات المتأتية من خارج الاطار على غرار صوت صافرة سيارة الشرطة او الموسيقى الصاخبة والتي تشكّل الامتدادات السمعية الطبيعية لعوالم الشخصيتين الرئيسيتين للفيلم. وفي هذا الخيار انسجام مع تقوقع هذا النوع من الشخصيات على عوالمها. شخصيات من مجتمعات الهامش والتي يقلّ تواصلها او انفتاحها على العوالم الأخرى.

يتوفق غازي الزغباني في فيلم "الهربة" في ترتيب "عالم مبتكر" يقوم على مبدأ رفض الانغلاق، عالم تنفتح فيه الكيانات على بعضها ومعها الأحاسيس والمواقف والرؤى، وكأنّ بالمخرج يريد أن يبرهن أنّ امكانات التواصل بما فيها من عيش مشترك وتسامح لا يمكن أن تتوفر الا بالانفتاح وبالقبول بالآخر مهما كانت اختلافاته. حينها فقط يمكن للأشياء أن تكتسب المعنى وأن تسقط كل الافكار المسبقة والمغلوطة التي نبنيها على بعضنا البعض.  

شيراز بن مراد